محمد بن جرير الطبري

217

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

اختلفت القراء في قراءة قوله لقد علمت فقرأ عامة قراء الا مصار ذلك لقد علمت بفتح التاء ، على وجه الخطاب من موسى لفرعون . وروي عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك ، أنه قرأ : لقد علمت بضم التاء ، على وجه الخبر من موسى عن نفسه . ومن قرأ ذلك على هذه القراءة ، فإنه ينبغي أن يكون على مذهبه تأويل قوله إني لأظنك يا موسى مسحورا إني لأظنك قد سحرت ، فترى أنك تتكلم بصواب وليس بصواب . وهذا وجه من التأويل . غير أن القراءة التي عليها قراء الأمصار خلافها ، وغير جائز عندنا خلاف الحجة فيما جاءت به من القراءة مجمعة عليه . وبعد ، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع ، مع علمهم بأنها من عند الله بقوله وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ، إنهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فأخبر جل ثناؤه أنهم قالوا : هي سحر ، مع علمهم واستيقان أنفسهم بأنها من عند الله ، فكذلك قوله : لقد علمت إنما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالم بأنها آيات من عند الله . وقد ذكر عن ابن عباس أنه احتج في ذلك بمثل الذي ذكرنا من الحجة . قال : 1757 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ : لقد علمت يا فرعون بالنصب ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ، ثم تلا وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : قال موسى لفرعون : لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البينات التي أريتكها حجة لي على حقيقة ما أدعوك إليه ، وشاهدة لي على صدق وصحة قولي ، إني لله رسول ، ما بعثني إليك إلا رب السماوات والأرض ، لان ذلك لا يقدر عليه ، ولا على أمثاله أحد سواه . بصائر يعني بالبصائر : الآيات ، أنهن بصائر لمن استبصر بهن ، وهدى لمن اهتدى بهن ، يعرف بهن من رآهن أن من جاء بهن فمحق ، وأنهن من عند الله لا من عند غيره ، إذ كن معجزات لا يقدر عليهن ، ولا على شئ منهن سوى رب السماوات والأرض وهو جمع بصيرة .